الفيض الكاشاني
6
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
يوم القيامة ، فإن تكن فضيحة كان من يعرفك قليلا . ودخل بعض الأمراء على حاتم الأصمّ فقال : ألك حاجة ؟ قال : نعم فقال : ما هي ؟ قال : لا أراك ولا تراني . وقال رجل لسهل : أريد أن أصبحك قال : إذا مات أحدنا فمن يصحب الآخر ؟ قال : الله سبحانه ، قال : فليصحبه الآن . وقال الفضيل : من سخافة عقل الرّجل كثرة معارفه . وقال ابن عباس : أفضل المجالس مجلس في قعر بيتك لا ترى ولا ترى . فهذه أقاويل المائلين إلى العزلة . * ( ذكر حجج المائلين إلى المخالطة ووجه ضعفها ) * احتجّ هؤلاء بقوله تعالى : « ولا تكونوا كالَّذين تفرَّقوا واختلفوا » ( 1 ) وبقوله تعالى : « ألَّف بين قلوبهم » ( 2 ) فامتنّ على الناس بالسبب المؤلَّف ، وهذا ضعيف لأنّ المراد به تفرّق الآراء واختلاف المذاهب في معاني كتاب الله وأصول الشريعة والمراد بالألفة نزع الغوائل من الصدور ، وهي الأسباب المثيرة للفتن ، المحرّكة للخصومات ، والعزلة لا تنافي ذلك ، واحتجّوا بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « المؤمن ألف مألوف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف » ( 3 ) ، وهذا أيضا ضعيف فإنّه أشار إلى مذمّة سوء الخلق الَّذي يمتنع بسببه المؤالفة ولا يدخل تحته الحسن الخلق الَّذي إن خالط ألف وألف ولكنّه ترك المخالطة اشتغالا بنفسه أو طلبا للسلامة من غيره . واحتجّوا بقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من فارق الجماعة فمات فميتته جاهليّة » ( 4 ) وبقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : « من شقّ عصا المسلمين والمسلمون في إسلام دامج فقد خلع ربقة الإسلام » ( 5 )
--> ( 1 ) آل عمران : 105 . ( 2 ) الأنفال : 63 . ( 3 ) قال الهيتمي في مجمع الزوائد ج 8 ص 87 : أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق علي بن بهرام عن عبد الملك بن أبي كريمة ولم أعرفهما وبقية رجاله رجال صحيح . ( 4 ) أخرجه مسلم ج 6 ص 20 من حديث ابن عباس وأبي هريرة . ( 5 ) أخرجه الطبراني والخطابي في العزلة من حديث ابن عباس بسند جيد كما في المغني .